الشيخ محمد رشيد رضا
200
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 147 ) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ . أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ؟ اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ ( 148 ) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( قصة اتخاذ بني إسرائيل للعجل ) * * * في أثناء مناجاة موسى عليه السّلام لربه عز وجل في جبل الطور اتخذ قومه من بني إسرائيل عجلا مصوغا من الذهب والفضة وعبدوه من دون اللّه تعالى لما كان رسخ في قلوبهم من فخامة مظاهر الوثنية الفرعونية في مصر ، وقد ذكرت هذه القصة هنا معطوفة على ما قبلها من خبر المناجاة وألواح الشريعة لما بين السياقين من العلاقة والاشتراك في الزمن . قال تعالى وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ الحلي بالضم والتشديد جمع حلي بالفتح والتخفيف فهو كثديّ جمعا لثدي . وهذا الحلي استعاره نساء بني إسرائيل من نساء المصريين قبل خروجهم من مصر فملكوه باذن اللّه تعالى ، والعجل ولد البقرة سواء كانت من العراب أو الجواميس فهو كالحوار لولد الناقة والمهر لولد الفرس والجمل لولد الشاة والجدي لولد العنز الخ . والجسد الجثة وبدن الانسان حقيقة ويطلق على غيره مجازا والأحمر كالذهب والزعفران والدم الجاف وقال في لسان العرب : الجسد جسم الانسان ولا يقال لغيره من الأجسام المغتذية ، ولا يقال لغير الانسان جسد من خلق الأرض والجسد البدن تقول منه تجسد كما تقول من الجسم تجسم ابن سيده : وقد يقال للملائكة والجن جسد وغيره : وكل خلق لا يأكل ولا يشرب من نحو الملائكة والجن مما يعقل فهو جسد . وكان عجل بني إسرائيل جسدا يصيح لا يأكل ولا يشرب ، وكذا طبيعة الجن ، قال عز وجل ( فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ ) « جَسَداً » بدل من عجل لان العجل هنا هو الجسد ، وان شئت حملته على الحذف أي ذا جسد ، وقوله ( لَهُ خُوارٌ ) يجوز أن تكون الهاء راجعة إلى العجل وأن